Slide Ads

Tuesday, June 23, 2009

عبادة ابن رشد : فلسفة التنوير النخبوي

عبادة ابن رشد : فلسفة التنوير النخبوي

منذ الستينيات، بل وحتى الآن إلى درجه كبيرة، تحوم فكرة ابن رشد كمفكر عقلانى فى أوساط المثقفين العرب وبعض المثقفين غير العرب أيضاً. فالبعض أعلن أنه مُفكّر تنويري أو مُبشِّر بالحداثة إن لم يكن بالفعل مُفكّرا حداثيا. نجد هذا المشروع عند مفكرين مثل عاطف العراقى ومراد وهبة، وبشكل أكثر جدة عند محمد عابد الجابرى. ولأن المثقفين فى الدول العربية محاصرون بين النظم السلطوية القمعية ومد التيارات الإسلامية، سواءً كانت تكفيرية أو تُظهر "التسامح"، مع إصرارها على أنها تمتلك "الحق" وفقا لمبدأ الحاكمية، فإن ضرورة طرح برنامج تنويرى ديمقراطى لفهم الذات أصبحت ملموسة.
ولكن فى رأيى أن ابن رشد ﻻ يمكن أن يساعدنا فى صياغة هذا البرنامج التنويرى البديل، لأنه ليس مفكراً تنويرياً. فمفهوم العقلانية عنده له طابع سابق على الحداثة، ينتمى إلى القرون الوسطى، ويختلف كثيرا عن مفهوم العقلانية عند مفكرى التنوير مثل إمانويل كانط كما سيتضح أدناه. والواقع أن فكرة الرجوع إلى ابن رشد من أجل صياغة برنامج تنويرى يراعى "خصوصيتنا الحضارية" ويكون نتاجاً "لتراثنا" ليست إلا بقايا البرنامج القومى العربى الذى يغالى فى تبنى خطاب تمايز الحضارات والثقافات، وكأن التنوير والعقلانية يتنوعان عرقياً وثقافياً. بالطبع من الضرورى أن ندخل فى حوار نقدى مع الماضى، ولكن هذا ﻻ يعنى أن نُغمض عيوننا عن ﻻعقلانيته أو أن نهبط بمعايير المشروع التنويرى لتتفق مع حدوده الضيقة.
فى البدء أتفق مع محمد عابد الجابرى على أن الحداثة بمعناها العام هى أن ﻻ تكون هناك مرجعية غير العقل (أنظر مقدمة الجابري لكتاب فصل المقال، عن مركز دراسات الوحدة العربية. ص٤٨). ولنلقى نظرة على ابن رشد لنرى إذا كان هذا ينطبق عليه. المشكلة كما أراها أن المرجعية عند ابن رشد ليست واحدة تتمثل فى العقل، وإنما هى مزدوجة: العقل الأرسطى والنص الدينى. ولأنه ﻻ يوجد "توافق" تلقائى بين المرجعيتين على المستوى الظاهر، جاءت الفكرة الرشدية لتفسير النص لتحل عقدة اللا توافق، ومؤداها أنه إذا استخلص "العقل" (وسنرى مفهوم هذا العقل بعد قليل) نتائج معينة، وكانت هذه النتائج تتعارض مع نص الشرع، يجب تأويل النص حتى ﻻ يتعارض معناه الباطن (أى المؤوَّل) مع "العقل"؛ على أساس أن هذا التعارض غير جائز من أساسه، أى أنه تعارض وهمى. ويُطمئننا ابن رشد قائلا إننا "معشر المسلمين نعلم على القطع أنه ﻻ يؤدى النظر البرهانى [:العقل] إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق ﻻ يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له" (فصل المقال. ص٩٦). فهناك إذن مرجعيتان للفكر الرشدى، ويكون دور التأويل أن يظهر أن الحقيقة النقلية، أو النص، تحتوى بشكل ضمنى على الحقيقة العقلية، والتى ﻻ نعرف فحواها بعد.
مثل هذا المشروع الذى يقف عند هذا المنعطف إنما يعلن بلهجة الانتصار عن إفلاس قدراته التحليلية، لأنه لا يكفى أن نتكلم بصفة عامة عن "العقل" بدون توضيح محتوياته. وقد نوافق على أن هذا الطرح الذى يقبل تأويل النص الدينى أفضل من القراءة الحرفية له، وهى أسوأ شكل لمبدأ الحاكمية، ولكن هل هو بالضرورة تنوير؟ يجب أن نتذكر أن مشروع التنوير فى أساسه علمانى، بمعنى أنه مشروع يطالب بممارسة العقل بغض النظر عن النص الدينى. ﻻ تحتاج علمانية التنوير، التى تنادى بفصل المؤسسات الدينية عن السياسية والتى تجعل الإيمان شأنا خاصا بالأفراد الأحرار فى اختياراتهم، إلى النص الدينى لكى تكتسب مشروعيتها، وإلا اعترفت ضمنياً بهزيمتها. التنوير العلمانى ﻻ يحتاج إلى أن يعرف إن كان موقفه متوافقا مع نص دينى ما أم لا. فالتنوير يصِر على قيمته المستقلة عن أية أطروحات لتأويل النص وعن خطاب المعقول والمنقول. وعلى خلاف ذلك، فإن أطروحة الجابرى، بشأن ابن رشد، والتى تبدو ﻷول وهلة كأطروحة مضادة لحاكمية النص، تسلم فى النهاية بمرجعيته ولو بشكل غير مباشر.
دعنا نسير مع طرح الجابرى خطوة أخرى، متناسين مؤقتا عدم كفاية أى مفهوم لتأويل النص لصياغة مشروع التنوير، ولنسأل عن محتوى "العقل" الرشدى. العقل هنا ليس سوى فلسفة أرسطو كمذهب ونظام كامل، وهو إذن مرجعية مُطلقة لمذهب معين. العقل عند ابن رشد ﻻ يعنى إذن المنهج أو الإجراء(procedure) النقدى، فهو بالأحرى نظام و مضمونى (substantive) كامل ومغلق. العقل الرشدى ﻻ يتميز بمنهج نقدى يصلح للتعامل مع معطيات ديناميكية، بل بالمضمون الثابت الذى انتهى التفكير فيه. فالعقل هنا ليست له دﻻﻻت تحررية بل هو اتباع نظام مغلق وكامل، وضعه أرسطو. وإذا كان "الحق ﻻ يعارض الحق" عنده، فإن هذا يرجع بالضبط إلى أن كل ما يقوله أرسطو نستطيع "نحن الفلاسفة" أن نجده فى النص أيضاً حتى لو اضطررنا إلى تفسير النص. العقل الرشدى ﻻ يفعل شيئا بشكل أساسى إﻻ "التوفيق" بين أفكار ومفاهيم انتهى التفكير فيها ولم تعد قابلة للنقد. وهكذا كان العقل الأرسطى والنص مرجعيتين مطلقتين، ولذلك لا تحتاج مقولة "الحق ﻻ يضاد الحق" إلى استنباط أو شروط، فهى حقيقة قبلية (أى معطاة سلفا)، كما أن أرسطو شخصيا، فى قول ابن رشد، "مخلوق ومُعطى لنا من العناية الإلهية حتى ﻻ نظل جاهلين بما يمكن أن نعلم" (من تعليقه على كتابات أرسطو فى علم الأحياء).
ويستخدم الجابرى أحياناً تعبيرات ممتعة عن مفاهيم أقل إمتاعا: فمحتوى العقل الرشدى، والذى بطله أرسطو، فى نظره، هو "إدراك الأسباب". ولكن "إدراك الأسباب" و"الاعتبار" ليست منهجا مؤسسا للمعرفة، وإنما هى وظائف فى نظام فلسفى مبنى بإحكام حول "حقائق أولية" وبديهيات ﻻ يجوز فحصها، وهو نظام يوظف العقل بدوره فى مهمة إثبات الرب كصانع وعلة أولى. وهكذا يقول ابن رشد فى بداية فصل المقال أن اعتبار الموجودات هو من حيث هي مصنوعة، وبالتالى تدل على صانع. بما يعنى أن مشروعية العقل الرشدى تعتمد بشكل أساسى على الغاية أو النهاية المعطاة بشكل قَبْلِى للعقل، وهو ما يمثل الخاصية الأساسية لمفهوم القرون الوسطى المحدود والمغلق للعقل؛ أو كما يقول الفيلسوف الألمانى هانز بلومنبرج (1920-1996)، أن العقل التنويرى الذى يرى لا نهائيته كانعكاس للانهائية الكون المفتوح يُعتبر من وجهة نظر القرون الوسطى مجرد "فضُول نَظرى"، بينما العقل التنويرى ﻻ يطرح على نفسه مهمة إثبات حقائق الميتافيزيقا أصلا، ﻷن لديه قوانين مستقلة ووظيفة اجتماعية وسياسية.
بالمقارنة مع هذه النظرة قال كانط، وهو المفكر النموذجى للتنوير اﻷوربى فى رأيى، أن مهمة العقل الأساسية وقبل أن ينشغل بالحقائق البديهية الأولى هى التفكير في مُسَلَّمَاته وافتراضاته وفى الحدود التى ﻻ يمكن للعقل أن يتخطاها إذا أراد أن يظل عقلانياً (وأشهر استنتاج يترتب على هذه الفكرة هو أن الإثبات النظرى لعلة أولى، أو صانع وخالق أول، على طريقة القرون الوسطى غير ممكن وليست له أسس بديهية). وهذا بالضبط هو النقد الذى يجب أن يسبق أى صياغة لمذهب أو نظام يمكن أن يوصف بأنه عقلانى تنويرى. فالعقل التنويرى هو نقد العقل لذاته بهذا المعنى الكانطى للنقد، والذى يغيب مفهومه تماما فى فكر ابن رشد (و أرسطو). بالمقابل يقر الأخير بكل المُسَلَّمَات الأرسطية ليواصل تبنى بقية نظامه الفلسفى، وحتى عندما يخالف أرسطو فيكون ذلك بهدف إنقاذ النظام الأرسطى. وتغيب إذن عن العقل الرشدى فكرة وضع المُسَلَّمَات والبديهيات أمام محكمة العقل، وبالتالى يصبح العقل عنده شيئا ميتا ومتحجرا، وتكون اﻷولوية للفكر فقط من حيث هو شىء أو نظام مكتمل ومنتهى، لا من حيث هو لحظة النقد التى تطرح على نفسها إثبات مشروعية وصلاحية المُسَلّم والبديهى، أو عدم مشروعيته ولا بديهيته.
تغيب عن الجابرى فى الحقيقة فكرة مهمة، وهى أن التنوير الأوروبى – فى القرن الثامن عشر - مبنى بشكل أساسى على نقض سلطة أرسطو. كما يعقد الجابرى مقارنة بين عصر النهضة الأوروبى أو عصر "إعادة الإحياء" (Renaissance) – من القرن الثالث عشر وحتى الخامس عشر - ومشروعه فى إعادة إحياء ابن رشد. هذه الإشكالية لا أستطيع الخوض فيها فى هذا المقال، و لكن يمكن القول أن عصر النهضة الأوروبى قدم فكرة خاطئة عن نفسه عندما صور النهضة كإعادة إحياء لأفكار معينة. كان الرجوع إلى أفلاطون فى الحقيقة ما هو إلا إجراء لإضفاء المشروعية على فلسفة فى مرحلة التحرر, ليس فقط من أرسطو و لكن من أفلاطون أيضاً. فلم يقل أفلاطون مثلاً (أو أرسطو) بلانهائية الكون، وهى فكرة محورية فى فكر عصر النهضة كمل يتضح من كتابات الفيلسوف الإيطالى جورديانو برونو(١٥٤٨-١٦٠٠). النهضة لم تكن إحياء لأفكار تم اكتشافها فى ما قبل و لكنها اندثرت فى عصور مظلمة، بل إنها طوّرت أفكار جديدة و مختلفة شكلاً و موضوعاً عن سابقها.
لعرض المشكلة بشكل أوسع, كان عصر الحداثة الأوروبى مرهوناً بنقض الفلسفة الأرسطية التى تبنتها مدارس القرون الوسطى. كما أن النقض الكانطى الموجه للفلسفات قبل النقدية موجه أيضاً إلى أرسطو ومدارس القرون الوسطى. قطع كانط رأس الحية بشكل جذرى عندما قال باستحالة البرهان النظرى على علة أولى أو محرك أول، وهو نقد ليس موجها فقط لفلاسفة القرون الوسطى الذين قالوا بعدم اختلاف هذه العلة الأولى عن الرب فى الديانات السماوية، و لكنه موجه بالضرورة إلى أرسطو أيضاً، فهو الذى قال بفكرة العلة الأولى فى الأصل. كما لم تعد مشروعية الفلسفة مبنية على غاية نهائية مطروحة مسبقاً، وهى الإثبات النظرى لعلة أولى. كما أن تركيز كانط على فكرة تحليل المسلمات و البديهيات وقوله بأن تحليل كيفية إدراكنا لها يسبق صياغة أى نظام فلسفى، لأنه يحدد معايير وحدود معينة للعقل، نقد ليس موجها فقط إلى ديكارت مثلاً بل إلى أرسطو والمدارس الأرسطية أيضاً. بالتالى لا يمكن لأى فلسفة تستقى إلهامها من أرسطو أو من ابن رشد (كمفكر أرسطى) أن تكون حداثية أو تنويرية فى وجهة نظرى، لأن التناقضات بينهما ليست سطحية علىالإطلاق. وعلى الأقل يتمتع الفلاسفة الأرسطيين الجدد فى أمريكا بقدر من الشفافية والفهم الموضوعى للذات عندما يقدمون فلسفتهم كفلسفة ما قبل حداثية (أو على الأقل كفلسفة لاحداثية) بشكل أساسى.
كذلك ﻻ يعير الجابرى اهتماما حقيقياً لمشكلة أخرى، ربما لأنها تسبب ارتباكا فى نظرته عن العقلانية الرشدية؛ وهى أن التنوير، فى أحسن أحواله، مشروع تحَرُّرى إنسانى عام للخروج من حالة القصور التى يفرضها البشر على أنفسهم ليصلوا إلى تطوير واستعمال قدراتهم. أود أن أشدّد على "إنسانى" هذه، لأنه مشروع ﻻ يتعلق بالنخبة والعلماء بل بالبشر فى عمومهم، وهو أيضاً مشروع عملى سياسى، وليس نظريا بحتا. بالمقابل نجد أن ابن رشد، بعد أن شرح فكرته عن تأويل النص، اتضح له أن هذا النوع من "العقل" ﻻ يمكن أن يظل مفتوحاً أمام الجميع. فلأن العقل هنا ﻻ يعنى ممارسة قدراتنا العقلية بل التوصل إلى استنتاجات صحيحة مبنية على مفاهيم عقلية أرسطية أولى، وجب على ابن رشد أن يضيف أن هذه الممارسة غير مباحة إلا للفلاسفة المتمرسين على المنطق الأرسطى. ويطرح ابن رشد فكرته هذه فى لغة القرون الوسطى المميزة، فهناك منازل ومراتب: يوجد ثلاثة أنواع أو "طبائع" للبشر؛ فالبعض يصدق بالبرهان، والبعض اﻵخر بالأقاويل الجدلية، وآخرون بالأقاويل الخطابية. ويسمح المضمون المركّب للنص الدينى بأن يصدق كل نوع وفقا لطبيعته. وبالتالى يجب أن يقْنَع عامة الشعب بالتأويل الخطابى والحرفى للنص الدينى، بينما يحتفظ الفلاسفة المتمرِّسين فى القياس المنطقى الأرسطى "بالحق" فى التأويل لاستخلاص المعنى الباطن للنص، والذى ﻻ يمكن من حيث المبدأ أن يتعارض مع النظام الأرسطى. فماذا يحدث لو تطاول واحد من عامة الشعب على هذا التقسيم وفقاً "للطبائع البشرية" وقرر تأويل النص؟ يجيب ابن رشد، مفكرنا التنويرى الكبير وقائد حداثتنا، أن هذا يؤدى إلى الكفر، وما يؤدى إلى الكفر فهو كفر، وبالتالى يجب على من ليس من أهل العلم (أى ليس من الفلاسفة الدارسين لأساليب القياس الأرسطية) أن يأخذ بظاهر النص، كما أن من يصرِّح من أهل العلم بتأويلاته الفلسفية للجمهور كافر لأن فعله يؤدى إلى الكفر. وباختصار يجب أن يلتزم كل فرد "بالطبيعة" و"الاستعداد" الخاصين به وألا يتخطَى حدوده فى التأويل لأن هذا يسبب بلبلة وفتنة بين الجمهور (المصدر السابق. ص ١١٩-١٢٤). واتساقا مع ذلك يرى ابن رشد ضرورة اتخاذ إجراءات لمنع وصول كتب التأويل الفلسفى إلى هذا الجمهور. السؤال اﻵن هو كيف تحول التفكير "التنويرى" إلى هذه الدرجة من المحافظة والنخبوية؟ ذلك أن ابن رشد يريد فقط أن يحتفظ بحق الفلاسفة فى التفلسف بغير خوف من الاضطهاد، وهو حق له مشروعيته، ولكن فى سياق حقوق البشر عامةً، وليس الفلاسفة وحدهم، وليس بثمن فرض حجر على المعرفة وممارسة العقل على الجمهور ككل، بتحديد نطاق ضيق للتأويل وحظر تداوله. فـ"التنوير" هنا، على محدوديته الأصلية بفلسفة أرسطو وبهدف محدد سلفا يتمثل فى التوفيق بينها وبين النص، لا يختص بشيء غير النخبة وحقها فى التفلسف عن العلل اﻷولى بدون مسائلة من السلطة. ولكن أين غابت الرسالة التقدمية الاجتماعية والسياسية؟
أعتقد أن الصورة أوضح اﻵن. مر الجابرى بسرعة على فقرات طويلة ومحرجة هنا، وفسَّر نظرة ابن رشد عن حظر التأويلات علناً بأنه كان يشك فى مبدأ العلنية publicity، خشية أن يكون إفشاء التأويل للجمهور بـ"أغراض سياسية" (المصدر السابق. ص٧٥). ولكن أليست هيمنة الفلاسفة المقربين من الأمراء والخلفاء بطبيعة وضعهم الاجتماعى على المعنى وعلى التأويل سياسة من الدرجة الأولى؟ كما أن السياسة الجماهيرية mass politics فى الواقع، وبدون أى انتقاص من قيمتها، عبارة عن محاكمة الأفكار والأطروحات علناً أمام الجمهور، لا السلطوية القائمة على مبدأ الرعاية الأبوية للشعب بما تتضمنه من حظر إطلاعه على أية منشورات قد يُرى أنها قد تثير الفتنة. ولم يحاول عاطف العراقى حتى إعطاء أية تبريرات لهذه الفكرة، فيبدو أنه يقبل بسلاسة فكرة وجود ثلاثة "أنواع" من البشر، ولا يبقى إلا أن يسأل كلٌ منا اﻵخر، كما نقول بالعامية، "أنت نوعك إيه؟" فالسلطوية أصبحت طبيعة ثانية لبعض "مفكرى التنوير" عندنا.
وبغض النظر عن إدانة هذا الموقف باعتباره سلطويا أو رعويا، فإنه فى كل الأحوال نقيض الموقف التنويرى الديمقراطى. ودعنا مرة أخرى نلقى نظرة إلى كانط على سبيل المقارنة. ﻻ يتطلب التنوير بالنسبة لكانط إلا حرية الممارسة النقدية العلنية للعقل. فالكل له حرية النقد والتفكير فى القوانين أو النصوص والتأويلات الدينية أو أى مجال آخر كمفكر يخاطب الجمهور علناً. ويعطى هذا النوع من النقد العلنى دفعة لعملية تكتسب فيها القوانين والقيم والمُسلّمات المشروعية والصلاحية اللازمتين لها من خلال المحاكمة العقلية. ومن هنا أتى دفاع كانط القوى عن حرية القلم، فالعلنية بالنسبة له تلعب دورا اجتماعيا وسياسيا فى مهمة التفكير الدائمة فى الذات، والتى هى شرط أساسى للتنوير، ولذلك ﻻ يمكن أن تكون هناك فى الموقف التنويرى حقائق أو قوانين ذو حصانة نقدية. وباختصار، يجب أن تكون ممارسة العقل، سواء تأويلا أو نقدا، عامة وعلنية لأن هدف التنوير الأساسي هدف يخص الإنسان فى عمومه وليس امتيازا لفرد أو لخاصة. وبينما نجد أن ما أُطلق عليه "تنوير" ابن رشد، معاديا صراحة للعلنية، وينصب هدفه على تحصيل العلم النظرى، فإن العلنية عند كانط كانت لها وظيفة إصلاحية اجتماعية وسياسية ذات مضمون ديمقراطى، وناتجة عن الحوار النقدى الذى ﻻ يستثنى من حيث المبدأ أحدا. وكما يقول يورجن هابرماس أحد أهم المُنظّرين لمفهوم العلنية عند كانط، "أن تفكر يعنى أن تفكر بصوت عالٍ". الوظيفة الديمقراطية للعلنية هى توسيع المجال لفئات أكثر من المواطنين في عملية اتخاذ القرار وسن القوانين عن طريق الحوار النقدى الذى يضفى على هذه القرارات والقوانين مشروعيتها وصلاحيتها.
ليس تأويل النص إذن تنويرا أو حداثة، بل كان موقف ابن رشد ﻻديمقراطيا فى جذوره كما رأينا. وفى النهاية يبقى أن نسأل عن الرغبة فى صياغة "تنويرنا" أو "حداثتنا" أو "ديمقراطيتنا": لا شك أن التفكير النقدى فى الماضى ضرورة، ولكنه ﻻ يجب أن يؤدي إلى طائفية فكرية. فالتنوير ليس ملكية خاصة للغرب لمجرد أنه بدأ تاريخياً ولأسباب اجتماعية وسياسية كحركة أوربية. فلا أحد يقول أن الرياضيات عربية لأنها تأثرت بشكل عميق بالعرب فى القرون الوسطى، أو أن الديمقراطية تنتمى إلى الحضارة اليونانية القديمة، أو أن الكتابة تنتمى إلى حضارات العراق القديمة. الخطاب القومى العربي يتميز بالتبسيط، فهو يتعامل مع الهوية العربية كمُسلمة مُتفق عليها، ويعتبرها هوية أحادية ومتميزة بشكل مطلق بما تستدعى "تفصيل" مشروع تنويرى يخصها. أضف إلى ذلك أن هذه الهوية المفروضة تستدعى طمس كل الاختلافات الداخلية بين "الهويات العربية"، وتجاهل أن تحديد معايير الهوية فى حد ذاته جهد سياسى وإيديولوجى من الدرجة الأولى، لا مجرد تعبير بسيط عن شىء معطى سلفا. أما إذا كان رفض التنوير "الغربى" يأتى من منطلق عدم توافق الظروف المادية العربية الراهنة مع مثيلتها التى صاحبت التنوير الغربى، فربما لا يبرر بدوره هذا "الاستقاء" من ينابيع تاريخية محلية، لأنه قد يمكن القول من باب أولى أن ظروفنا الراهنة أقرب مع ذلك إلى مثيلتها الأوربية منها إلى الظروف المادية للمغرب العربى فى القرن الثانى عشر، على اﻷقل من الناحية البنيوية؟ هذه أسئلة ﻻ نستطيع الخوض فيها فى هذا المقال، ولكن المهم، وبغض النظر عن "منشأ" الأفكار والمفاهيم، أن الحرية والعدالة والمساواة فى الفكر التنويرى مطالب عالمية. بالتأكيد سوف تختلف المظاهر الواقعية والعملية لتمازج هذه القيم بالممارسات البشرية فى البرازيل عن مصر مثلاً، ولكن هذه الإشكالية تخرج عن نطاق النظرية البحتة. "التنوير العربى" مثل "الحقوق العربية للإنسان" تعبير متناقض واسم مُستعار للاّ تنوير وتقليص الحقوق باسم الثوابت والمقدسات.

No comments: